|
أفعى
الصحراء
بقلم
قوام الدين محمد أمين
حمل
كل منهما المسحاة بيده، وباليد الأخرى حملا كيساً
فارغاً من أكياس الطحين، وسارا سوياً أحدهما جوار
الآخر..
نظر صلاح إلى صاحبه وقال:
- أتريد ماءً يا علاء..؟؛ فالعرق يتصبب
منك بغزارة..!!
أجاب علاء:
- أشكرك، لستُ عطشاناً، ولكن حرارة الشمس
هي التي جعلتني أتصبب عرقاً..
واصلا سيرهما معاً، نظر علاء حوله
وقال يخاطب صاحبه:
- أترى هذه الصحراء.. إنها واسعة جداً..
وكلما سرتُ فيها شعرت بالراحة؛ فهي بلا حدود.. بلا
فواصل..
نظر صلاح إليه فارتسمت على شفتيه
الابتسامة، وقال:
- تبدو اليوم أنيقاً ببزتك العسكرية
هذه..
أجاب:
- نعم، لقد أعطاني إياها سيدي الآمر في
الليلة الماضية..
قال صلاح:
- إنكَ تستحق كل الخير يا صاحبي..
أجاب علاء:
- أشكرك يا صلاح.. أشكرك..
استدار بنظره حوله فشاهد دبابة
محروقة على جانب بعيد منهما، تنهَّد وأطلق الحسرات..
سأله صاحبه مستغرباً:
- لِمَ تتنهَّد يا علاء وتطلق
الحسرات..؟!
أجاب بحزن:
- انظر إلى هذه الصحراء.. كم يا ترى قد
ابتلعت من الرجال..؟
- وكم شربت من الدماء..؟
- انظر إليها، إنها صامتة لا تتكلم،
صفراء ليس فيها غير الأشواك والرمال التي دُفِنت وفي
فمها آلاف الصرخات..!!
قال صلاح بحزن:
- هذه هي الحرب يا صاحبي.. وهذه آثارها،
فلا تحزن، فما نحن إلا جنود مقاتلين جئنا إلى هذه
الأرض للدفاع عنها وصنها من المعتدين حسب..
واصلا سيرهما..
شاهدا بعض السحالي تتراكض مسرعة
وراء شيء مبهم بالنسبة إليهما..!! وشاهدا بعض الحشرات
الغريبة التي لم يشاهداها من قبل تطير مجتمعة فوق نبات
الحنظل المنتشر في أطراف الأرض الصحراوية..!!
سارا لمسافة طويلة حتى وصلا المكان
الذي يقصدان..
قال صلاح:
- ها قد وصلنا..
- هيا احتطب وأملأ كيسك..
وبدأ كل منهما يقطع الأعشاب
اليابسة بمسحاته..
ومرَّت أكثر من نصف ساعة حتى انتهى
الاثنان من عملهما..
وضعا كيسيهما على الأرض أحدهما
جوار الآخر..
رفع علاء رأسه إلى السماء ونظر إلى
قرص الشمس التي لم تكن عمودية بعد..
- حقاً فما زال الوقت مبكراً على طعام
الغداء..!!
قال علاء ذلك وهو ما زال ينظر إلى
قرص الشمس في أعلى السماء..
جلس صلاح على الأرض وسار هو بعيداً
عنه وبدأ يحمل بيده بعض الأشياء..
سأله صاحبه:
- ماذا تفعل..؟
أجاب علاء:
- إنني أجمع الحصى..
سأل صلاح:
- لِمَ تفعل ذلك..؟!
أجاب:
- ستعرف بعد قليل..
مرَّت لحظات قليلة عاد بعدها وهو
يحمل الكثير من الحصى، وضعها أرضاً، جلس أمامها، وبدأ
يضع الحصاة جوار الأخرى راسماً بها شيئاً ما يرومه..
كان صلاح يتابعه بنظراته..
وأخيراً..
صرخ صلاح بسرور:
- أوه..!!
- يا لكَ من فنان مبدع..
- حقاً إنها خارطة الوطن العربي..
قال علاء وقد ارتسمت الابتسامة على
شفتيه:
- انظر إليها.. كم هي جميلة..!!
وفي هذه اللحظة صرخ صلاح وهو يتجه
نحو كيسه ويحمل مسحاته بيده:
- انتبه يا علاء..!!
- انتبه..!!
- إنها أفعى الصحراء، هيا فلنهرب قبل أن
تؤذينا..
قفز علاء إلى كيسه وحمل كلّ منهما
متاعه وركضا بعيداً عن الأفعى..
توقف علاء عن الركض، استدار إلى
حيث ترك الأفعى وظلَّ يراقبها..
تقدَّمت الأفعى الصحراوية ذات
اللون الأصفر من الخارطة ودخلت فيها ثمَّ أخذت تتلوى،
فرسمت فيها فواصلاً كثيرة، فجزأتها قطعاً صغيرة..!!
صرخ صلاح:
- ماذا تنتظر..؟!
- هيا فلنرجع..
قال:
- حسناً.. حسناً..
وسارا معاً عائدين إلى ثكنتهما
العسكرية..
كان علاء صامتاً طوال طريق العودة
لا كما اعتاد في كلِّ مرة..!!
كان يفكِّر بشيء ما..؟
نظر إليه صلاح وسأله:
- بِمَ تفكِّر يا علاء..؟
أجاب:
- بالعودة إلى الخارطة..
قال صلاح متعجباً:
- بعدما أصبحنا قريبين من ثكنتنا
العسكرية..؟!
- خطوات قليلة ونصل، وتريد العودة بعد كل
هذه المسافة..؟!
كان الجميع ينتظرون عودة صاحبيهما
وهما يحملان لهم الحطب الذي يشجرون به التنور ويطبخون
به طعام الغداء والعشاء..
ما أن وصلا حتى حياهما الجميع..
وضعا كيسهما على الأرض، ثمَّ قال
علاء يخاطب صاحبه:
- إنني راجع الآن..
صرخ صلاح:
- يا أخوة الإيمان هلمّوا واسمعوا..
اجتمع الجنود حولهما..
قال صلاح يخاطب الواقفين:
- لقد قطعنا مسافة طويلة كما تعلمون،
والآن يريد العودة من جديد..!!
سأله أحدهم:
- لِمَ تريد الرجوع يا علاء..؟
أجاب:
- لقد نسيت المسحاة هناك..
فقال آخر على الفور:
- دعه هناك؛ فغداً حينما نذهب للاحتطاب
نجلبه معنا إليك..
صرخ علاء:
- لا بدَّ من الرجوع..
- لا بدَّ من الرجوع..
قال صلاح:
- تريد الرجوع يا صاحبي.. لِمَ..؟!
صرخ علاء:
- إنها الأفعى..
- الأفعى يا صلاح..
- ألم تشاهدها بأمِّ عينيك..؟!
قال صلاح:
- ما بها تلك الأفعى الملعونة..؟!
أجاب علاء بحدّة:
- لقد جلست وسط خارطتي..!!
- لن اسمح لها بذلك أبداً..
- لا بدَّ من القضاء عليها..
- لا بد..
قال أحدهم:
- هل أنت مجنون..؟!
صرخ علاء:
- أتريدني أن أتركها هناك تفعل في خارطتي
ما تشاء..؟!
- الويل لي نْ رضيتُ بذلك..!! الويل لي..
- لقد أتينا إلى هذه الصحراء كي نحميها
من العقارب والأفاعي..
- الآن نهرب منها..؟!
- هل نحن جبناء..؟!
- هل نحن جبناء..؟!
صرخ بشدّة:
- أجيبوني...
- أنحن جبناء..؟!
صرخ صلاح:
- كلا، ما نحن بالجبناء أبداً، هيا
فلنذهب، إني آتٍ معك..
سأل أحدهم:
- ما الأمر يا أخوة الإيمان..؟!
- إني لم أفهم شيئاً..!!
قال آخر:
- وأنا كذلك لم أفهم شيئاً مما قالاه..!!
قال آخر:
- ما الأمر يا علاء..؟!
- ما الأمر يا صلاح..؟!
قال صلاح:
- لقد رسم علاء خارطة الوطن العربي
بالحصى، وقد سكنتها الأفعى الآن وجعلت فيها الفواصل..
صرخ أحدهم:
- الويل لها كلّ الويل..
- إنني آتٍ معك يا صلاح.. آتٍ معك..
صرخ الجميع:
- ونحن كذلك، آتون معك..
قال اثنان منهم:
- أما نحن فسنبقى هنا لنعدَّ لكم
الطعام..
وحمل كل منهم مسحاته بيده وانطلقوا
إلى حيث ترقد الأفعى الصحراوية..
صرخ من بقي في الثكنة:
- نحن بانتظاركم يا رجال..
- عجِّلوا بالقضاء عليها، فلن نأكل حتى
ترجعون..
رفع علاء مسحاته عالياً وصرخ بشدة:
- لن نعود حتى نقتل الأفعى أو نموت..
بعد وقت طويل وصلوا الأفعى، فوجدوها
تجلس وسط الخارطة، تحلَّق حولها الجميع فرفعت رأسها
إليهم، وبدأت تنفث عليهم السم بفحيح مخيف..
صرخ علاء:
- الويل للأفاعي..
- الويل للأفاعي..
وانهال الجميع عليها ضرباً بالمساحي
حتى أردوها قتيلة..
حملوها خارج الخارطة ورموها بعيداً
عنها..
وقف الجميع ينظرون إلى الخارطة..
تنهَّد علاء وأطلق الحسرات ثمَّ قال:
- تباً لها.. لقد وضعت في خارطتي كلَّ
الفواصل..!!
- يا له من منظر مؤلم وبائس..!!
وفي اللحظة هذه صرخ صلاح:
- هيا يا رجال، اختبئوا خلف التلال، إنها
عاصفة صحراوية قادمة إلينا مسرعة، اختبئوا بسرعة، هيا
اختبئوا..
تراكض الجميع واختبئوا خلف التلال..
مرَّت العاصفة بقوة مزمجرة بشدة،
فأرعبت الجميع، ومرَّت دقائق طويلة حتى هدأت ثورة
الرياح وعادت الشمس لتشرق من جديد بعدما انقشعت عنها
كلّ الغيوم والأغبرة..
خرج الجميع من وراء التلال وحلّقوا
مرة أخرى حول الخارطة..
نظر الجميع إليها بذهول وفرح في
آنٍ واحد..!!
صرخ صلاح:
- لقد اختفت الأفعى..
قال علاء:
- لقد حملتها الرياح إلى جهنم وبئس
المصير..
صرخ آخر:
- لقد اختفت الفواصل..
- اختفت الفواصل..
قال علاء بهدوء:
- نعم، فلقد ماتت الأفعى وحملتها الرياح
بعيداً..
نظر الجميع بفرح عارم إلى الأرض
الخالية من كلّ فاصل..
قال صلاح:
- والآن فلنرجع إلى الثكنة؛ فأصحابنا
ينتظرون بفارغ الصبر..
قال علاء:
- حسناً، ولكن قبل أن نعود..
تقدَّم نحو الخارطة، انحنى إليها،
مدَّ إبهام يده اليمنى بعد أن قبَّلها ووضع بصمته فوق
جهة الشمال الشرقي منها، ثمَّ نهض عنها..
استدار نحو الجميع وقال بزهو:
- الآن، نستطيع أن نعود إلى أصحابنا لنزف إليهم خبر
النصر.
* * * * *
يسمح بالاقتباس مع
إيراد المصدر
الموقع الشخصي للأديب قوام الدين محمد
أمين
عبر الرابط التالي
http://www.qiwamudinameen.com
أضف تعليقك على ما قرأت
* * * * *
تمت تراتيل المساء
بعون واهب الماء
والهواء
.............................
فتمَّ الكتاب بعون الملك الوهَّاب
و به ينتهي المقصود بعون الملك المعبود
*
* * * *
|